ذو الشعر المستعار
بقلم: عمر شبلي
يسير كما لو أنه يمشي
على صفائح من زجاج ضاغطاً على أعصابه كلما خطا ، ورغم تجاوزه الستين لم يخالط الشيب سواد شعره
.
وحدها المرآة تعرف من هو ، إذ كان يطيل وقوفه
أمامها كل صباح لأكثر من ساعة ، يصفف شعره ولا يمل من ترتيبه شعرة شعرة ، ينازعه
مزيج من الحسرات والإشفاق على الذات ، ويلعن حظه مرة ، ويعزي نفسه ويحاول إكسابها
الثقة مرة أخرى ، دون أن يخفف هذا من اللون الداكن الذي كان يصطبغ به وجهه صباحاً
، كلما أدار المفتاح في الباب وقد هم بالخروج ، حتى عبر الستين وحيدًا لا يرافقه
في يومياته سوى أمنية أن يمر اليوم ، دون أن يكتشف مستوره أحد ما !
كان صباحًا باردًا
شديد الثقل والصمت ، جعلته سماكة الجليد التي غطت أرصفة الشوارع والأزقة منفرًا
بشكل دفع الناس إلى السير بخطىً يشبه تكلفهم أثناءها سيره في يومياته العادية .
وحدهم أطفال المدرسة
التي يعبر ببابها كل صباح حولوا الجليد الذي جعل انطلاقة الحياة هذا الصباح رهنا
بمشيئته ، إلى نعمة لهو وترفيه ، فراحوا
يتراجعون خطوات ويركضون ثم يتركون أجسادهم تنزلق على الجليد غير آبهين بالسقوط ،
ضاحكين مصفقين لأطول تخط يتم تسجيله .
اقترب بخطواته التي
كانت تصدر وقعا كصوت منقار دجاجة تنقر الحب فوق صفيحة من معدن ، فقد جعل خطاه
متقاربة قصيرة محاذرًا أن يسقط ، وأخذ يطلب منهم الابتعاد عن طريقه غير ملتفت
إليهم ، يضع كفيه على شعره المتدلي فوق أذنيه كما لو أنه يسدهما عن السمع ، أو أنه
يمنحهما الدفء .
اصطف الصغار مفسحين له الدرب ، مراقبين بتركيز
خطواته التي بعثت فيهم إحساسًا بأنه لن يتمكن من تجاوز المسافة التي كانوا
يستغلونها في تزلجهم ، وما هي إلا لحظات حتى ثبت الشك باليقين ، وأثناء رفعه قدمه
اليمنى من تأخرها شعر بأنه ينزلق ، فأعادها محاولاً الثبات في مكانه ، لكنه فقد توازنه
، وراح يتمايل أمامًا وخلفاً ، ويمنة ويسرة ، ويداه لا تزالان تضغطان على ما
تمسكان به ، وارتفعت قدمه اليسرى لا إرادياً ، فبدا كأنه راقص باليه رديء الأداء
في أولى محاولاته السير فوق حلبة الثلج ، ومال بثقل جسده إلى الخلف محاولاً
استرداد توازنه ، إلا أنه هوى وسقط على الأرض ، وقد أطلق يديه في الهواء بحثاً عن
شيء يتمسك به أو يستند إليه ، فأجفل الصغار من هول ارتطامه ومن مشهد شعره الذي طار
بعيد عنه ، وحاروا في توزيع أنظارهم ومشاعرهم ، وردود أفعالهم بين الخوف من أن
يكون قد أصابه مكروه ، والدهشة لمرأى شعره الملقى بعيداً ، وبين رأسه العاري ،
والذي بدا شديد البياض والصفرة ، وأملس إلى درجة لا يمكن تخيلها .
وخطا أحدهم وهو يوزع التفاتاته بين الرجل
الممدد برأسه العارية ، وبين شعره الذي راح يقترب منه ، يخالجه شعور بالرهبة
والوجل .
انحنى خائفا حذراً ، وقد بدت أصابع يده ترتعش
أثناء التقاطه الشعر الذي جعله يحس بالاشمئزاز ، والتقزز كرد فعل طبيعي على منظره وملمسه
، وعاد نحوه وهو يقلب قبعة الشعر بين كفيه محاولاً اكتشاف ماهية هذا الشيء الذي يراه لأول مرة في حياته .
تقدم من الرجل الذي تكور ودفن رأسه بين ركبتيه
وقد وارى ما استطاع منه تحت كفيه ، وحدق لبرهة في جلد رأسه الأملس ، ثم وضع كفه الصغيرة
على كتفه ، فالتفت إليه بطرف عينه مذعورًا ، يحاذر أن يختبر نظرات تجنبها لستين
عاما مضت .
أمد الصغير كفه التي تمسك قبعة الشعر ،
فالتقطها الآخر وأدخل رأسه فيها غير آبه باتجاه تصفيفه ، وهو يتلفت يميناً وشمالاً
، آملاً ألا يكون قد رآه غير هؤلاء الصغار ، وراح يزحف بعجزه وقدميه فوق الجليد
مبتعدًا عن المكان ، وقد خلف وراءه صغارًا لم يروا ما رآه في نفسه لسنين ، تاركاً
لهم استغرابهم شدة ذعره وهلعه ، إذ أن الأمر
لم يبدو لهم أكثر من مجرد رجل ذي شعر مستعار .

كثير منا لا يتقن دوره الحقيقي عند سقوط الأقنعة ... !!!
ردحذفإن الثقة المستمدة من قناع أو أي مصدر خارجي سهلة الانكسار
ردحذف&مريم الرحبي&
http://www.mediafire.com/file/2ty3id3ohp2c45g/صلب_المسيح_وقيامتة_من_خلال_القرآن_الكريم_.pdf
ردحذف