كلما أتم نهار أحداثه وتفاصيله ، وعلقت أشعة الشمس تجوالها في المكان إلى صباح آخر ، وهرب واقع من فوق أكتاف الكثيرين تاركا لأخيلة الوهم والحلم مكانها في سواد العتمة وصمتها ! جلس غريب أطوار محدقا في لمعان الأحلام التي تبص هنا وهناك ، يصغي لحديث نفسه عن سبل وطرقات تؤدي به إليها ، في الطفولة كنا نرى المسافة أقصر بيننا وبينها ، واليوم نشعر أنه مع كل دورة لكوكبنا الأعمى تنأى عنا مسير عام ، فهل وهم الطفولة يدني البعيد ، أم أن رساخة العقل تقصي الداني ؟
يمتاز الخائفون بأنهم أنأى عن المخاطر ، ويحيا المخاطرون متعة الجراح التي تسقطهم كلما أثخنتهم دون الوصول ! عندما تنهار مباني الطين أمامنا ندرك لذة الوهم ، وقبح المحسوس ، فأي شيء يجعلنا لا نأسف على خسرانه أكثر من الأمل ؟ وأي حياة تلك التي تسير بنا من غامض إلى مجهول ، وفي جعبة كل رحالة منا ألف ممكن ومستحيل ؟
يعشق الخائفون قلة هزائمهم ووفرة الحذر اللامجدي ، و يستلذون غباءهم لأنهم ما خبروا ابدا عنف التجارب وعمق بشاعتها ، ويمقت المتهور جبنه الذي يناديه مرددًا أن توقف وكف عن المضي قدمًا صوب المبهم ، ولأنه يستعشر في دمه طعم الطعنات ويدمنه ، تراه يلقي بجسده على أسنة السكاكين والحراب ، لأن متعة اختراقها لقلبه لا يستسيغها إلا من أدمن التمزق والموت مع انكسار كل حلم . ويقتل المستجبن في قلبه لذة النهوض ، وتعاف نفس العاشق وروحه هدأة السكون فيكمل دربه بغير أرجل وأذرع لأنه يدرك أن الأماني تبقى أمان ، وسر روعتها أنها أمان ليس إلا .
تعليقات
إرسال تعليق