تائه آخر ليل خريف
تائه آخر ليل خريف
بقلم عمر شبلي
كرؤوس سكاكين تطل من خلف قماش
أسود ، تمزق أضواء السيارات صدر الظلام ، والهواء البارد نوعا ما ، يجعل المكان أشد وحشة .
وحيدا
أقف في الشارع في ساعة متأخرة من الليل متأملا هذا المشهد الذي ذهب بي بعيدا خارج
المكان والزمان ، حتى أيقظني من شرودي توقف سيارة جيب بيضاء بجانبي !
تراجعت لا شعوريا إلى الخلف
، وزاد ارتيابي نزول زجاج نافذة بابها الأمامي ، ثم تلا ذلك إنارة داخلها ، فظهر
لي رجل تجاوز السبعين من عمره ، يضع فوق رأسه شماغا وعقالا ويرتدي ثوباً أسود أخفى
عني تفاصيل جسده . مد إلى بالهاتف المحمول وهو يقول :
-
خذ تكلم !
لم أفهم ولم أع ما يجري ،
ولا أعرف ما الذي دفعني للإمساك بالهاتف ، وأنا أحاول إيقاف الأسئلة التي ترد إلى
رأسي محدثة تزاحم يربك تحليلاتي حول هوية الشخص الذي في الجهة الأخرى من الاتصال
؟! ومن هو هذا العجوز الذي يتصرف كعميل سري ؟! وغيرها من التساؤلات التي انهالت
على جمجمتي كحبات برد صغيرة لا تؤذي ولكنها تولد شعور الرغبة بالهروب ! وللحظة
توهمت أني إما أسير موقف ما من مواقف الكاميرا الخفية ، أو ضحية لخلية ما تتابعني
منذ زمن دون أن أستشعر وجودها قبل الآن !
بتردد
وحيرة وضعت الهاتف على أذني ، ولقلبي ضعف ما يحتمل من خفقان !
-
ألو .. خرجت مني مرتبكة خائفة ملوث صفاؤها بحشرجة تبلغ المتصل أني
مرعوب !
وأتاني من الجهة الثانية صوت
أنثوي زاد تيهي تيها ! لم أكن أصغي جيدا لحيرتي التي أعيشها ، لكني أدركت من خلال
عبارات الرجاء التي رددتها، أنها امرأة بحاجة لمساعدة ! فحاولت أن أظهر بمظهر
المتماسك ، وخففت من توتري وطلبت منها أن تعيد على مسمعي ما قالت لأني لم أفهم
كلامها ، وعادت لتتحدث بصوت واضح وأنا أصغي :
-
سائق هذه السيارة أبي ! وهو مريض يعاني من مرض الشيخوخة ( ألزهايمر )
وفقدان الذاكرة ، ولقد غادر المنزل منذ ساعات الصباح ولم يعد يعرف طريق العودة إلى
المنزل، وأنا ابنته الوحيدة ! فهل يمكنك مساعدته في العودة إلى البيت ؟ ثم راحت
ترجوني أن أفعل !
تنفست الصعداء ، ورحت أقوم بردود أفعال تشعرني باستعادة توازني ، ثم
رحت أدون عنوان المنزل في مذكرة اعتدت أن أتأبطها حيثما رحت ، تحسبا لورود فكرة أو
عبارة تخطر لي أثناء تجوالي .
أغلقت الهاتف وصعدت إلى السيارة ، وقد جلست بجانب السائق العجوز ، ثم أمسكت
بيده محاولا إشعاره أني حازم في كلامي ، وقلت له :
-
عليك أن تنفذ ما أقول ، وإلا ضعنا معا أنا وأنت ، لأني غريب عن هذه
المدينة التي أتيتها منذ أيام معدودة !
هز الرجل رأسه بالموافقة ، ثم طلبت منه أن يسلك اتجاه اليمين ، وراح
يحدثني بقصص ، ويروي لي أخبار لم أحفظ منها شيئا لأني كنت أصب تركيزي على قراءة
اللوحات الدالة على تسميات الشوارع والأحياء ، حتى وصلنا الحي الذي دونت اسمه في
مذكرتي .
واصلت توجيهه ، وأنا أعاود الاتصال بابنته للتأكد من رقم المنزل ، وأتلفت
يسرة ويمنة ، حتى سمعت الرجل يصرخ فرحا كالطفل :
-
هذا بيتنا !!!
و بالرغم من شعوري بالتعاطف مع رد فعله ، إلا أني لم أستطع الوثوق
بكلامه .
ألغيت الاتصال الذي كنت قد باشرته ، وطلبت منه التوقف ، ثم ترجلت من
السيارة ، وخطوت صوب الباب ، وقرعت الجرس الذي لم أسمع صوته لأعرف إن كان قد رن
فعلا أم لا !
لم تمض على انتظاري لحظات ، حتى
وردني اتصال من ابنته ، تسألني إن كنت من قرع الجرس ؟ وأجبتها بنعم ، ثم تراجعت خطوات إلى
الخلف واضعا الباب الذي تعال صرير فتحه وراء ظهري ! وأنا أسمع شكرها لي ، بعدها علا
صوتها ينادي أباها بالدخول !
لكني لم أستطع كتم صوت ضحكي
الذي انفجر عاليا وقد رافقه صوت ضحكها الذي علا بعد أن سمعنا أبوها يقول
بجدية :
-
ادخلي إلى المنزل . سأعيد الرجل إلى بيته ثم أعود ! وأخذ يلح علي أن
أصعد إلى السيارة !
انطلقت بعد أن خلفته ورائي بكل إلحاحه ،
عاجزا عن الكلام لشدة نوبة الضحك التي اجتاحتني !
الرياض خريف 2010

تعليقات
إرسال تعليق