أنه عصر الكتابة !
أيام الطفولة كنت أراقب جدي كيف كان يعامل مذياعه الخشبي بتقدير واهتمام ، فقد كلف إحدى عماتي بنسج غطاء له ، وكان كلما مر بجانبه يمسح عليه بكفه كأنه ولده الوحيد ، ولكم شاهدته في أمسياته صيفا شتاء وبعد يوم عمل طويل يستند على كوعه الأيسر ، وقد وضع المذياع الخشبي أمامهه وراح يقلب مفتاح التنقل بين المحطات ، يصغي وينهرنا لنصمت ، مرة لصوت أحمد سعيد من إذاعة صوت العرب ، وأخرى لصوت السيدة كوكب الشرق ، وأحيانا يتابع مسلسلات إذاعية فيفرض علينا أن نعيش مشاعر انتظار الحلقة القادمة . ثم ورث أبي ذانك المذياع والسلوك عن جدي وظل على تلك الحال لبضع سنوات ، لقد كانت فترتهم تلك فترة إصغاء بامتياز ، وكانت أداة التواصل الأبرز بين غالبية البشر هي الأذن ، وأعتقد بامكانية تسميته عصر استماع !
ثم بدأت أسمع عن التلفاز دون أن أراه حتى علمنا أن صاحب دكان كان اسمه نجيب زيتون خصص مكانا لمشاهدة التلفاز لساعتين كل يوم لمن يشتري من دكانه سواء كان دينا أم نقدا ! واصطحبني عمي الأصغر ذات ليلة إلى تلك الصالة والتي كانت قد اقتطعت من اسطبل الحصان ( البايكة ) في قبو تحت دكانه ، وقد أبقى على الحصان  خلف المشاهدين الذين كانوا يتربعون على حصير من القش ، وصلنا مع المتأخرين فجلسنا في الصف الآخير قريبا من ذيل الحصان الذي كان شعره يمر على رأسي ورقبتي من حين الى حين ، دون أن ينتزعني من تعلقي الشديد في تلك الشخوص التي تطل علينا من خلف شاشة تعرضها لنا بالأبيض والأسود ، ثم صحوت صباح يوم على حيوية غير مألوفة في بيتنا ، وترتيب لزاوية من غرفة الجلوس التي كانت هي ذاتها غرفة النوم فقد كانت مساحة بيتنا بالكامل آنذاك غرفة ليس أكثر، وسمعت أن كهربائيا ، وفد إلينا ، علمت بعدها أن أبي أشترى لنا تلفازا ، وصرنا نحن والعديد من جيراننا نتابع كافة برامجه بعد أن يبدأ البث مساء حتى يتم انقطاعه ! وراح عصر الاستماع الصرف يجر أذياله منسحبا مفسحا المجال لعصر المشاهدة والتي أشفقت على سابقها فتركت له حيزا ، وهكذا أعتقد أنه كان عصر مشاهدة !
   ثم انتقلت الى العمل في الرياض ولا زلت أذكر اني أبقيت يدي لوقت طويل في جيوبي وانا أقف بجانب معلم الكومبيوتر ، والذي كان يتعامل مع ذلك الكائن الذي أصابني بالرهبة حين رأيته وقد كنت أسمع عنه دون أن اراه عن قرب ، ثم بدأت اسأل ذاك المعلم إن كان بإمكاني أن المس ما يبدو لي من هذا الجهاز المربك ! ورحت يوما بعد يوم أكتشف كوامنه ، حتى تمكنت من فتح حساب على هوتميل ، ومن بعده على فيس بوك ، وكنت استعرض حسابي من وقت لآخر في هوتميل ، وعلى فيس بوك كل ما سمح لي الوقت ، ولم يكن فيس بوك حينها ناشطا ، ولم أكن أعرف أحدا في الجهة الثانية من هوت ميل لأستلم منه رسالة ما ، ولكم طال انتظاري ، ولكم فرحت وارتبكت عندما لمحت في صندوق الوارد تلك الرسالة التي لا زلت أحتفظ بها اليوم  داخل حسابي في هوتميل !
  ورحت يوما بعد يوم أرى كيف ينمو هذا العالم الجديد ، وكيف يتكاثر رواده بشكل يشبه العدوى ! وها نحن اليوم نعيش عصر الكتابة ، فأبي الذي كان في أربعينياته يتابع المذياع صار اليوم يتابع الواتس أب ، وغدا لكل فرد من عائلتي شرفة يطل منها على العالم  أكان ذلك عبر تويتر أو فيس بوك أو واتس أب أو أنستوغرام أو أو ..
وأنا أسترجع كل هذا في مخيلتي أصابني الذهول عندما اكتشفت اننا نعيش عصر الكتابة ، نحارب بالكتابة ، نبني بيوتنا وأوطاننا بها ، نضحك ، نتسامر ، نصف شعورنا ، وأحيانا نمارس رغباتنا الجنسية عبرها ، لقد بتنا نعيش في قنوات التواصل الاجتماعي .
لقد تغير الكثير الكثير فينا ومن حولنا وأكاد أقول من تحتنا ، فأعراس على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة على فيس بوك ، ومآتم ، وكتب وحوارات وأمسيات وحروب ، وصداقات وعلاقات ، وتجارة ، وأحزاب ، وموالاة ومعارضة ، وتحركات احتجاجية وثورات ، وتغيير أنظمة .ووكفر وإيمان وجنة ونار ...
حقا إنه عصر الكتابة ، والذي أعتقد أننا نتفاعل معه بطريقة أكثر عمقا من العصرين اللذين سبقاه ، ولقد أثبتت الدراسات أن التأثير عبر التواصل الكتابي أقوى منه عبر التواصل السمعي والبصري ، حيث أن الكلمة المكتوبة تخاطب العقل الباطن بشكل أعمق ، وتفعل فعلها فينا بشكل سحري ، فكم من المفكرين الذين فشلوا في التواصل المباشر مع الناس ، نجحوا عبر الكتابة ، ولقد اختارت الديانات السماوية الثلاثة التواصل مع الإنسان عبر الكتابة ، فهل سنتمكن بدخولنا عصر الكتابة وبهذا الشكل الواسع والضخم والقوي من تحقيق تفاهمات أقوى وبناء سلام أوسع وعالم أكثر توازنا ، وأمنا ! ؟؟؟
                                                                                                                    
                                                                                   عمر سعيد شبلي
                                                                                                                    

                                                                                      روائي لبناني 

تعليقات